محمد سعيد رمضان البوطي
105
فقه السيرة ( البوطي )
سيما هذا الذي رآه في ذهابه إلى الطائف ، إنما كان من جملة أعماله التبليغية للناس . . فكما أنه جاء يبلغنا العقيدة الصحيحة عن الكون وخالقه ، وأحكام العبادات والأخلاق والمعاملات ، كذلك جاء يبلغ المسلمين ما كلفهم اللّه به من واجب الصبر ، ويبين لهم كيفية تطبيق الصبر والمصابرة اللذين أمر بهما في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا [ آل عمران : 200 ] . ولقد علمنا النبي صلى اللّه عليه وسلم القيام بالعبادات بالوسيلة التطبيقية ، فقال : « صلوا كما رأيتموني أصلي » ، وقال : « خذوا عني مناسككم » ، وبناء على هذا المبدأ نفسه قاسى أمرّ أنواع المحن في سبيل الدعوة ليقول بلسان حاله لجميع الدعاة من بعده « اصبروا كما رأيتموني أصبر » ، وليبين أن الصبر ومصارعة الشدائد من أهم مبادئ الإسلام التي بعث بها إلى الناس كافة . وربما يتوهم من اطلع على ظاهر سيرة هجرته عليه الصلاة والسلام إلى الطائف ، أنه صلى اللّه عليه وسلم قد غلب على أمره هناك ، وأن الضجر قد نال منه ، وأنه ربما استعظم كل تلك المحنة والمشاقّ التي أصابته ، ولذلك توجه إلى اللّه بذلك الدعاء بعد أن اطمأن في بستان ابن ربيعة . ولكن الحقيقة أنه عليه السلام قد استقبل تلك المحن راضيا ، وتجرع تلك الشدائد صابرا محتسبا ، وإلا فقد كان بوسعه - لو شاء - أن ينتقم من السفهاء الذين آذوه ومن الزعماء الذين أغروا به أولئك السفهاء وردوه ذلك الرد المنكر ، ولكنه عليه السلام لم يشأ ذلك . ودليل ذلك على ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا رسول اللّه هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ فقال : « لقد لقيت من قومك ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال ، فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال : إن اللّه عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت » . قال : « فناداني ملك الجبال وسلم عليّ ثم قال : يا محمد إن اللّه قد سمع قول قومك لك ، وأنا ملك الجبال ، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني يأمرك فما شئت ، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين » . فقال رسول اللّه : « بل أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبد اللّه وحده لا يشرك به شيئا » .